أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
124
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
النحو منذ صغره ، حتّى أنّه صحّح لأستاذ النحو خطأً وقع فيه « 1 » . وفي فترة تواجد السيّد الصدر في المدرسة ، لفت وجودُه انتباه الهيئة التدريسيّة والمشرفين على المدرسة لما يتمتّع به من نبوغ وذكاء استثنائيّين « 2 » ، وكان السيّد مرتضى العسكري يعقد جلسة خاصّة مع ثلاثة من نابهي تلامذته ، أحدهم السيّد الصدر ، وكانوا يتحدّثون فيها عن أوضاع المسلمين « 3 » ، وكان وهو في الصف الرابع يقرأ كتب الشيوعيّة ويناقشها ويكتب عليها ملاحظاته « 4 » . ومع أنّ أستاذه في ( منتدى النشر ) السيّد موسى الموسوي الهندي يقول : إنّه لم يلاحظ على السيّد الصدر ذكاءً خاصّاً عندما كان في الكاظميّة حتّى انتقل إلى النجف وأصدر ( فلسفتنا ) و ( اقتصادنا ) « 5 » ، إلّا أنّ الحوار الذي جرى بين أبي براء وبين أحد معلمّي السيّد الصدر في تلك المرحلة قد يؤكّد هذه الحقيقة : « شاءت الصدف أن أتّخذ لي مكاناً إلى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي أقيمت تخليداً لذكرى الشهيد الصدر . وفي التفاتةٍ منّي إليه غيرِ مقصودةٍ وجدتُ عليه أمارات الألم والحزن الشديدين ، أماراتٍ لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين ، بل لا أغالي إذا قلت : كانت عليه سيماء الثكل . ولم ينتبه إلى التفاتتي ، فقد كان ساهياً منصرفاً عن كلّ ما هو حوله ومثبّتاً عينيه على صورةٍ للشهيد الصدر كانت معلّقةً أمامه وهو يصدر الآهة إثر الآهة ، ويجذب الحسرة تلو الحسرة ، وبين كلِّ لحظة وأخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديلٍ يحمله بيده ، كان يبكي ويتألّم بصمت . وقد لفت نظري كثيراً رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها وأشجانها ، وربّما علا صوتُ نحيبٍ من هنا أو هناك لبيتِ شعرٍ من قصيدة شاعرٍ أو لعبارةٍ من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها وتحرّك عواطفها وأحاسيسها ، إلّا هذا ، فما سمعت منه إلّا الآهات والتنهّدات والأنّات الخفيّة . إنّ كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر إمّا عن كثب أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق ، إذن لا بدّ أن يكون لهذا شأنٌ آخر . هكذا قدّرت ، وقد أصاب تقديري فسألته وقطعت عليه وجومه وشرود فكره ، وقد جاء سؤالي كمتنفّسٍ له وداعٍ إلى بثّ ما في جنبيه من ألمٍ دفينٍ وحزنٍ كمين . ويبدو أنّه عرفني واطمأنّ إليّ ، فراح يحدّثني وبنبرات تقطّعها الآهات والحسرات . قال بعد تنهّدة عميقة : إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد ، كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات « 6 » يوم كان طالباً في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائيّة ، وكنتُ معلّماً في المدرسة التي كان يتعلّم
--> ( 1 ) مقابلة ( 2 ) مع الشيخ علي كوراني - ( 2 ) الإمام الصدر . . سيرة ذاتيّة : 59 ، نقلًا عن صحيفة ( صوت العراق ) ، العدد ( 128 ) ، 1993 م ، مقابلة مع السيّد مرتضى العسكري ( 3 ) من كلمة للسيّد مرتضى العسكري بتاريخ 16 / محرّم الحرام / 1422 ه ( 4 ) مقابلة مع السيّد حسن شبّر - ( 5 ) ذكر لي ذلك الدكتور جودت القزويني بتاريخ 30 / 8 / 2004 م نقلًا عن السيّد موسى الموسوي الهندي نفسه ( 6 ) لعلّه من خيانة الذاكرة أو النقل ، والصحيح ( أوائل أو أواسط الأربعينات ) ، لأنّ السيّد الصدر هاجر أواخر العام 1365 ه إلى النجف الأشرف ، وكان قبل ذلك بسنتين قد دخل إلى مدرسة ( منتدى النشر ) . والظاهر من كلام هذا الأستاذ أنّ معرفته به تعود إلى الفترة التي كان فيها السيّد الصدر في الصفّ الثاني الابتدائي ، وقد ذكرنا أنّ ذلك كان عام 1362 ه .